زلزال أكادير

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

زلزال أكادير

مُساهمة  sabri amine في 9/1/2013, 09:15

15 ثانية حولت مدينة أكادير إلى أنقاض.. قبل الزلزال المدمر الذي هز المدينة ليلة 29 فبراير 1960، عرفت هزات استباقية كانت بمثابة إنذار طبيعي لما سيحدث.. بلغ عمق الزلزال 3 كيلومترات وصنفه علماء الزلازل، إلى جانب زلزال تركيا وزلزال الأصنام بالجزائر، ضمن أعنف الكوارث الطبيعية التي شهدها القرن العشرون. بعد 48 سنة، مازالت شهادات الناجين تجمع كلها على أنه قد كتبت لهم حياة جديدة بعد الزلزال رغم أن آثاره النفسية مازالت غائرة في النفوس..
في ظهيرة ثالث أيام رمضان الموافق لآخر أيام شهر فبراير من عام 1960، بمدرسة سيمون بحي تالبورجت، سادت حالة من الهلع والفوضى، وهرول الجميع إلى ساحة المدرسة وهم لا يلوون على شيء بعد أن أحسوا بهزة أرضية ارتجت لها جدران المدرسة الفرنسية وتناثر لها زجاج بعض نوافذها.. عاد ابراهيم ذو الثماني سنوات إلى مخبزة نافارو التي كان يشتغل بها والده حيث شغلت الهزة التي ضربت المدينة أفئدة الناس وصارت محور أحاديثهم «لقد تخيلها البعض بشكل مضحك، وكانوا يعتقدون أن الأرض تحملها دابة وتدحرجها بين قرنيها، وهو ما يترتب عنه الزلزال. وكانت هذه الحكاية منتشرة في ذلك الوقت»، يردد ابراهيم محاولا أن يستجمع تفاصيل ذكريات بعيدة مازالت متوقدة في ذاكرته ويتابع:«نمت في تلك الليلة مبكرا تاركا والدتي تهييء وجبة السحور. وعند حوالي الساعة ال12 و45 دقيقة حدث ما يشبه انفجار قنبلة كبيرة صمت الآذان وارتجت بي الغرفة بعنف لأتحسس السقف على بعد 10 سنتمرات فوق رأسي، وناديت أخي الذي كان بجانبي وتمكنا من الخروج بصعوبة من تحت أنقاض بيتنا الذي استحال إلى خراب، وبدأت بعدها المأساة الشبيهة بنهاية العالم».
يحكي إبراهيم، الذي يعمل اليوم أستاذا للغة الفرنسية، بحرقة أنه كان من الصعب تجاهل أصوات الاستغاثة وعبارات الشهادة التي كان يرددها الجيران المحاصرون تحت الأنقاض.«انقطع التيار الكهربائي وساد الظلام.. بحثت أنا وأخي عن والدتي تحت أكوام الطوب الأحمر دون جدوى. في الصباح، وجدناها ممدة بلا حراك تحت سقف المطبخ، وازداد هول الصدمة علينا بعد أن أخبرنا الجيران بأنه تم العثور على والدي صريعا بعد أن سقطت عليه مئذنة مسجد تالبورجت حين كان يهم بالخروج».
بالنسبة إلى صديقه عبد الغني الذي كان يافعا في ذلك الوقت، تحولت فرحة اللقاء بأخيه الأكبر قبل ثلاثة أيام إلى كابوس. «فقدت أخي وزوجته واثنين من أبنائه ونجوت أنا بأعجوبة. لم نكن نبكي، إذ لم تكن توجد دموع من هول ما كنا نرى أمامنا، عندما ننجو من الموت نحس في لحظة معينة بأن القلب لم يعد موجودا في الصدر. حاصرتني الدموع أسبوعا بعد الكارثة عندما عدت إلى إنزكان». زار الملك الراحل محمد الخامس المدينة المنكوبة بعد أربعة أيام وتفقد أحوالها وتابع مهام الإغاثة وإسعاف الجرحى ليطلق بعدها جملته الشهيرة:«لئن حكمت الأقدار بخراب أكادير، فإن بناءها موكول إلى إرادتنا». وتباين الرقم الحقيقي لعدد الضحايا، إذ أكدت الروايات الرسمية أنه بلغ 15000 نسمة، أي حوالي ثلث السكان، بينما أكدت منظمات إنسانية أن العدد تجاوز 30000 نسمة نصفها من الأجانب الذين كانوا يقطنون بالمدينة. أحال الزلزال، الذي بلغت شدته6.75 على سلم ريشتر، أحياء المدينة إلى كتل من الأطلال. بعد ساعتين، توافد الجنود الفرنسيون لتفقد المنكوبين ونصب الخيام العسكرية للجرحى والناجين. بحي تالبورجت، بلغ عدد الموتى 15000 شخص بعد أن دمر بنسبة 95 في المائة. وحدها القاعدة الجوية الواقعة على بعد 7 كيلومترات من المدينة سلمت من الهزة. وفرض الجيش، بقيادة الجنرال ادريس بنعمر، حصارا على المدينة لإحصاء الموتى والمنكوبين ووضع حد لحالات السرقة التي انتشرت، حيث أصدر الجنرال قرارا بإعدام اللصوص بإطلاق الرصاص عليهم فور ضبطهم متلبسين.«شاهد ابن عمي رجلا يقوم خفية صباح الزلزال بقطع ساعد سيدة كانت تستغيث لإنقاذها وفر بعد أن انتزع دمالجها الذهبية.. لقد اغتنى العشرات بعد الزلزال بعد عثورهم على أموال وحلي ذهبية»، يردد عبد الغني في أسى قبل أن يتابع قائلا: «بتنا في العراء وداخل الخيام العسكرية لمدة أربعة أيام، بعد ذلك نقلوني مع عشرات الأطفال اليتامى إلى مخيم فرنسي لإعداد بطاقات تعريف لنا. مكثت هناك يومين، جاء بعدها والدي واصطحبني إلى البيت».
تقاطرت على المغرب المساعدات الإنسانية الدولية، وأرسلت الولايات المتحدة الأمريكية طائرات سي 130 قادمة من النواصر وميناء ليوطي «القنيطرة الآن» حاملة معها المؤن الغذائية والملابس والأغطية، كما قامت فرنسا بإجلاء رعاياها من المدينة.
رغم تخطيه الستين بقليل، يحتفظ جون دي فال بذكرياته عن الزلزال ويسترسل قائلا: «كنت مراسلا إذاعيا وقتها، هول الهزة الأرضية كان أقوى بكثير من مدافع الحروب. نجت زوجتي التي كانت تعمل في فندق السعادة الذي غاص في باطن الأرض لعشرات الأمتار.. مشهد الدمار كان مخيفا بعد أن اختفت أحياء تالبورجت وفونتي واحشاش من الوجود..». كان جون يحس في أعماقه بقرب حصول أمر كان يجهل حقيقته:«قبل حوالي ثلاثة أسابيع من الزلزال، بدأت تهب على المدينة رياح رملية قوية والسماء كانت رمادية بشكل غريب.. عشت كوابيس بعدها، كنت أشاهد ناسا من حولي يستغيثون وجرحى يئنون.. خضعت رفقة زوجتي للمعالجة النفسية لمدة سنتين».
شُيدت أكادير على بعد ثلاثة كيلومترات إلى الجنوب من الموقع الأصلي للهزة. حصل الآلاف من الناجين على بطاقات المنكوبين وعلى مبلغ 1000 درهم، كما حصلوا على بقع أرضية لتشييد منازل جديدة، في حين فضل بعضهم مغادرة المدينة إلى الأبد..
المئات من الأطفال تبنتهم عائلات أجنبية في فرنسا وبلجيكا، ولا توجد أرقام رسمية حول هوياتهم وعددهم. في السنوات الأخيرة، ارتفعت نداءات عشرات الآباء في العديد من وسائل الإعلام... سنة 2006، أفاد بحث طبي أشرف عليه فريق مغربي، أجري على 80 شخصا عاشوا تجربة الزلزال، بأن 38 % منهم عانوا يوماً ما من اضطراب الكرب عقب صدمة و10 % مازالوا إلى يومنا هذا أي بعد أكثر من أربعين سنة على وقوع الكارثة، من هذا المرض، ونصف هؤلاء يعيشون بصفة موازية حالة اكتئابيّة

sabri amine

عدد المساهمات : 8
تاريخ التسجيل : 04/01/2013

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى